المعاصى تسقط الكرامة
الْمَعَاصِي
تُسْقِطُ الْكَرَامَةَ :
ومِنْ عُقُوبَة المعاصى : سُقُوطُ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ
وَالْكَرَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، فَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَطْوَعُهُمْ لَهُ،
وَعَلَى قَدْرِ طَاعَةِ الْعَبْدِ تَكُونُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَإِذَا
عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ، فَأَسْقَطَهُ مِنْ قُلُوبِ
عِبَادِهِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ الْخَلْقِ وَهَانَ عَلَيْهِمْ
عَامَلُوهُ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ، فَعَاشَ بَيْنَهُمْ أَسْوَأَ عَيْشٍ خَامِلَ
الذِّكْرِ، سَاقِطَ الْقَدْرِ، زَرِيَّ الْحَالِ، لَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَا فَرَحَ
لَهُ وَلَا سُرُورَ، فَإِنَّ خُمُولَ الذِّكْرِ وَسُقُوطَ الْقَدْرِ وَالْجَاهِ
مَعَهُ كُلُّ غَمٍّ وَهَمٍّ وَحَزَنٍ، وَلَا سُرُورَ مَعَهُ وَلَا فَرَحَ،
وَأَيْنَ هَذَا الْأَلَمُ مِنْ لَذَّةِ الْمَعْصِيَةِ لَوْلَا سُكْرُ الشَّهْوَةِ ؟
وَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ : أَنْ يَرْفَعَ
لَهُ بَيْنَ الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ ، وَيُعْلِي قَدْرَهُ ، وَلِهَذَا خَصَّ
أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ ، كَمَا قَالَ :
{ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي
وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} .
أَيْ : خَصَصْنَاهُمْ بِخِصِّيصَةٍ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ
الَّذِي يُذْكَرُونَ بِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَهُوَ لِسَانُ الصِّدْقِ الَّذِي
سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ :
{ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ بَــنـِيهِ : { وَوَهَبْنَا
لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } .
وَقَالَ لِنَبِيِّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { وَرَفَعْنَا
لَكَ ذِكْرَكَ } .
فَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ
مِيرَاثِهِمْ مِنْ طَاعَتِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ
فَإِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ مُخَالَفَتِهِمْ وَمَعْصِيَتِهِمْ.
الذلة
والصفار على من خالف امر رسول الله :
قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( جعل
الذلة والصغار على من خالف أمري ) ؛ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى دعاء
القنوت ( ولا يعز من عاديت )
وان
من الايات القرآنية التى تعلو من شأن اهل التقوة قول الله تعالى : ( أن أكرمكم عند
الله أتقاكم )
فكان
مما قاله ابن القيم رحمه الله عن أثار المعاصى والذنوب :
وَمِنْهَا
(أي من آثار المعاصي والذنوب): أَنَّ الْمَعْصِيَةَ سَبَبٌ لِهَوَانِ الْعَبْدِ عَلَى
رَبِّهِ وَسُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِهِ .
وقَالَ
الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: "هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ
لَعَصَمَهُمْ".
وقَالَ
الْحَسَنُ أيضا رحمه الله عن أهل العصيان: "إِنَّهُمْ وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ
الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، فإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُ
قُلُوبَهُمْ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ".
وقال
ابن الجوزي في "صيد الخاطر": "وقد يهان الشيخ في كبره حتى ترحمه القلوب،
ولا يدري أن ذلك لإهماله حق الله تعالى في شبابه.. فمتى رأيت معاقباً فاعلم أنه لذنوب".
وَقَالَ
شيخ الإسلام عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ:
رَأَيْتُ
الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ وَقَدْ يُورِثُ
الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ
الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُـلُوبِ وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ
عِصْـيَانُهَا
من
اسباب الهوان استصغار المعاصى :
وَقَدْ
ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ
يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ
يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ".
وهذا
من اسباب هوان العاصى على الله فانة يرتكب الذنب حتى يهون عليه ؛ ويصغر فى قلبه
وعينه حتى لا يراه شيئا ؛ ولا يخاف عقوبتة ولا عاقبتة ؛ وكلما صغر الذنب فى عين
العبد كلما كبر فى عين الله وهذا سبب الهلاك والعياذ بالله ؛ ومن اسباب هوان
العاصى على الله ايضا عدم تعظيم الله تبارك وتعالى ؛ أن العبد لو عظم الله ما عصاة
وما اذنب .
؛ فَإِنَّ
عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَجَلَالَهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ حُرُمَاتِهِ،
وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذُّنُوبِ، وَالْمُتَجَرِّؤونَ
عَلَى مَعَاصِيهِ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَكَيْفَ يَقْدِرُهُ حَقَّ
قَدْرِهِ، أَوْ يُعَظِّمُهُ وَيُكَبِّرُهُ، وَيَرْجُو وَقَارَهُ وَيُجِلُّهُ، مَنْ
يَهُونُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ؟ هذا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ، وَأَبَيْنِ الْبَاطِلِ،
وَكَفَى بِالْعَاصِي عُقُوبَةً أَنْ يَضْمَحِلَّ مِنْ قَلْبِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ جَلَّ
جَلَالُهُ، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِهِ، وَيَهُونُ عَلَيْهِ حَقُّهُ. وَإِذَا هانت في
قلب العبد المعصية، وهان عنده قدر الرب وذهب تعظيمه من قلبه؛ هَانَ الْعَبْدُ عَلَى
اللَّهِ، ومن كان هذا حاله لَمْ يُكْرِمْهُ أَحَدٌ من الخلق، كَمَا قَالَ اللَّهُ:
{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ}
المعاصى
والذنوب تورث الذل :
فعلى
كل عاقل أن يعلم أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تُورِثُ الذُّلَّ وَلَا بُدَّ؛ وأنَّ الْعِزَّ
كُلَّ الْعِزِّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى :
مَنْ
كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا
وعليه فان من اراد العز
والكرامة والحياة السعيدة فَلْيَطْلُبْهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِدُهَا
إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ؛ وما عند الله لا يطلب الا بطاعتة .
فهرس كتاب الداء والدواء لابن قيم الجوزية
مكتبة ايه للنشر الالكترونى تتمنى لكم علم يثمر تقوى
غمسة
فى الجنة :
نعم بلغوا بسلامة صدورهم وصدق توكلهم وباليقين بان هناك جنة يجتهدون
لنيلها اجتهادنا لتحصيل دنيا فاجملوا فى الطلب . فقد قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
وسلم: "إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا
الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله؛ فإنه
لا يُدرَك ما عند الله إلا بطاعته"
فراشات
النار :
و احذروا لجة بحر الشهوات ولا تغتروا بسكونه، وعليكم بالساحل ولازموا
حصن التقوى فإن العقوبة مرة، فلا تتفلت من سياج الطهر والفضيلة وتتهافت على الشهوات
والشبهات كما تتهافت الفراشات على النار ، ولا تكن مما من قال فيهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم : مَثَلِي كَمَثَلِ رجلٍ استوقَدَ نارًا، فلمَّا أضاءتْ ما حولها جَعلَ الفراشُ
وهذِه الدَّوابُّ التي في النار يقعن فيها، وجعل يَحْجِزْهُنَّ ويغْلِبْنَهُ فيتقحَّمن
فيهَا، قال: فذلِكُم مثلِي ومثلكم، أنَا آخِذٌ بِحُجُزِكُم عن النارِ: هلُمَّ عنِ النَّار،
هلُمَّ عن النار فتَغْلِبُوني تقحمون فيها".
تعليقات
إرسال تعليق