الذنوب تطبع على القلب

ومنها : ان الذنوب اذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين ؛ كما قال بعض السلف فى قوله تعالى :

كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ

قال : هو الذنب بعد الذنب ؛ وقال الحسن : هو الذنب على الذنب ؛ حتى يمسى القلب وقد غيره : لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم .

واصل هذا : أن القلب يصدا من المعصية فاذا زادت غلب الصدا حتى يصير رانا ؛ ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما ؛ فيصير القلب فى غشاوة وغلاف ؛ فاذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار اعلاه أسفله ؛ فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث اراد .

إننَّا نشكو قسوةً في قلوبِنا، وظلمةً في نفوسِنا، ومَحقًا لبركة رزقِنا وأعمارِنا، وضياعًا في أبنائِنا، وعدمَ إجابةٍ لدعائِنا، وذلةً علينا، وهوانًا فينا، ومصائبَ تحلُّ بنا، ونوازلَ تطالُنا، والسببُ في ذلك كلِّه -لو تأملنا- هو الذنوبُ والمعاصي التي تهتزُّ لها الرواسي، وتخرُّ لها الجبالُ، وتنشقُّ الأرضُ،

(وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)

ومن آثار الذنوب وعقوباتها حرمانُ العلم النافع؛ فإنَّ العلمَ نورٌ يقذفُه اللهُ في القلوبِ، والمعصيةُ تطفئُ ذاك النورَ. لما جَلَسَ الإمامُ الشَّافعيُّ بين يدي الإمامِ مالكٍ يطلبُ العلمَ عنده فرأى فيه علاماتِ الفطنةِ والذكاءِ، قال له: يا شافعيُّ، إني أرى اللهَ قد ألقى على قلبِك نورًا فلا تطفئْهُ بظلمةِ المعصية. فحفظَ الشافعيُّ هذه الوصيةَ، فأنارَ اللهُ به وبعلمِه أرجاءَ المعمورةِ، وسيظلُّ إلى قيامِ الساعةِ.

ضِيقُ النَّفْسِ وَنَكَدُ الْقَلْبِ وَقَلَقُهِ، وَهَذَا مُلازِمٌ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ مُلَازَمَةً تَامَّةً قَالَ اللهُ -تَعَالَى-:

(ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، فَالْمُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ مُتَعَرِّضٌ لِلْهُمُومِ وَالْغُمُومِ، وَالْكَدَرِ وَالتَّعَاسَةِ الدُّنْيَوِيِّةِ قَبْلَ الأُخْرَوِيَّةِ، فَكَمْ يَسْمَعُ لِلْعَاصِي مِنَ الزَّفَرَاتِ! وَكَمْ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِنَ الْحَسَرَات! وَكَمْ يَتَجَرُّعُ مِنَ النَّدَامَات! قَدْ فَقَدَ لَذَّةَ الْحَيَاةِ حَتَّى وَإِنْ كَثُرَ مَالُهُ وَارْتَفَعَ بِنَاءُهُ، وَتَعَدَّدَ أَوْلَادُهُ؛ إِلَّا أَنَّهُ يَعِيشُ عِيشَةَ الْوَحْشَةِ وَالْقَلَقِ،  فَتَجِدُهُ دَائِمَاً فِي غَمٍّ وَهَمٍّ لا يَنْقَطِعُ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: وَاللهِ إِنِّي لا أَسْعَدُ فِي السَّنَةِ إِلَّا دَقَائِقَ وَبَقِيَّتَهَا فِي تَعَاسَةٍ وَشَقَا .

قال ابن عباس : ( إن للحسنة ضياءً في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القبر والقلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق )

رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبـار سوء ورهبـانها


مكتبة ايه الصفحة الرئيسية 

فهرس كتاب الداء والدواء لابن القيم 

مكتبة ايه للنشر الالكترونى تتمنى لكم علم يثمر تقوى 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من اشعار الجن

فهرس كتاب لا تحزن

فهرس كتاب الداء والدواء لابن القيم