المعاصى تذهب الحياء

ومن عقوبة المعاصى : ذهاب الحياء الذى هو مادة الحياة للقلب ؛ وهو اصل كل خير ؛ وذهابه ذهاب كل خير بأجمعة وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( الحياء خير كله ) وقال ( ان مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : اذا لم تستح فاصنع ما شئت ) وفيه تفسيران :

أحدهما : أنه على التهديد والوعيد ؛ والمعنى من لم يستح فانه يصنع ما يشاء من القبائح ؛ اذ الحامل على تركها الحياء ؛ فاذا لم يكن هناك حياء يزعه عن القبائح فانه يواقعها ؛ وهذا تفسير أبى عبيدة .

والثانى : ان الفعل اذا لم تستح فيه من الله فافعلة ؛ وانما الذى ينبغى تركه هو ما يستحى فيه من الله ؛ وهذا تفسير الامام احمد فى رواية ابن هانى ؛ فعلى الاولى يكون تهديدا . كقوله ( اعملوا ماشئتم ) وعلى الثانى يكون اذنا واباحة .

فان قيل : فهل من سبيل الى حمله على المعنيين ؟ قلت : لا . ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه ؛ لما بين الاباحة والتهديد من المنافاة ؛ ولكن اعتبار أحد المعنيين اعتبار الاخر .

والمقصود : أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكليه ؛ حتى ربما انه لا يتاثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه ؛ بل كثير منهم يخبر هو عن حاله وقبح ما يفعله ؛ والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء ؛ واذا وصل العبد الى هذه الحاله لم يبق فى صلاحه مطمع ؛ واذا راى ابليس طلعة وجهه حياه وقال : فديت من لا يفلح .

والحياء مشتق من الحياة ؛ والغيث يسمى حيا _ بالقصر _ لأن به حياة الارض والنبات والدواب ؛ وكذلك سميت بالحياة حياة الدنيا والاخرة ؛ فمن لا حياء فيه  فهو  ميت فى الدنيا شقى فى الاخرة ؛ وبين الذنوب وبين قلة الحياء ؛ وعدم الغيرة تلازم بين الطرفين ؛ وكل منهم يستدعى الاخر ويطلبه حثيثا ؛ ومن استحى من الله عند معصيتة استحى الله من عقوبته يوم يلقاه ؛ ومن لم يستحى من الله تعالى من معصيته لم يستحى الله من عقوبتة .

 

الحياء حصن حصين :

الحياء سِرَاجٌ مَنِيعٌ، وحِصْنٌ حَصِينٌ من الوُقُوع في المعاصي والمحرَّمات ، فمَنْ ذهب حياؤه ذهبت مروءته، ومن ذهبت مروءته قلَّ إحساسُه، فلم يشعر بعيب الناس له ، وانتقاصهم لقدره .

فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء -أي: ينهاه عن كثرة الحياء- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دعه، فإن الحياء من الإيمان".

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الإيمان بضع وسبعون شعبة -أو بضع وستون شعبة- أفضلها: "لا إله إلا الله" وأدناها إماطة الأذى عن الطريق؛ والحياء شعبة من الإيمان".

الحياء، هو امتناع النفس عن فعل ما يعاب، وانقباضها من فعل شيء أو تركه مخافة ما يعقبه من ذم ولوم.

 

الدعوة الى التخلق بخلق الحياء :

والدعوة إلى التخلُّق بالحياء وملازمته إنما هي دعوة إلى الامتناع عن كُلِّ معصيةٍ وشَرٍّ.

فالحياءُ خلَّةٌ من خلال الخير، وشعبة من شُعَب الإيمان، وعليه مدار كثير من أحكام الإسلام ؛ قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "من علامات الشِّقْوة: القسوة في القلب، وجُمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمد".

الحياء، هو أصل الخير والعقل، وتركه أصل الشر والجهل.

 

الاجتهاد لاكتساب خلق الحياء :

فلابد للمسلم من مجاهدة النفس لاكتساب خلق الحياء ؛ وياتى ذلك الخلق الكريم من معرفة الله  ومعرفة عظمته وقربه من عباده ، فلابد لنا من أيمان به يؤقن العبد أن الله مطلع عليه ، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، والمسلم الذي يسعى في كسب وتحصيل هذا الحياء إنما يحقق في نفسه أعلى خصال الإيمان وأعلى درجات الإحسان .

أسال الله لى ولكم علم يثمر خشية ؛ و علم يثمر تقوى ؛ وأيمان يثمر حياء

 

مكتبة ايه الصفحة الرئيسية

فهرس كتاب الداء والدواء لابن القيم

مكتبة ايه للنشر الالكترونى تتمنى لكم علم يثمر خشية

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من اشعار الجن

فهرس كتاب لا تحزن

فهرس كتاب الداء والدواء لابن القيم