بر الوالدين


 

أطع الإله كما أمر * * * واملأ فؤادك بالحذر

الدين لا تلعب به * * * لعب الصوانج بالأكر

الدين حق واجب * * * نور البصيرة والبصر

حافظ عليه فإنه * * * نعم السعادة تتدخر

وأطع أباك فإنه * * * رباك من عهد الصغر

واخضع لأمك وارضها * * * فعقوقها إحدى الكبر

حملتك تسعة أشهر * * * بين التألم والضجر

وإذا مرضت فإنها * * * تبكي بدمع كالمطر

فأطعهما وقرهما * * * كيلا تعذب في سقر

 

أيها الإخوة المؤمنون: قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يريد البرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، لا يحدّ النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما".

 

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الآية، قال الهيثمي عند قوله تعالى: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) أي: "الليِّن اللطيف المشتمِل على العطف والاستمالة، وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن، لا سيما عند الكبر"، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)، ثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذلّ من القول بأن لا يُكلَّما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع، وإظهار ذلك لهما، واحتمال ما يصدر منهما، ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرهما، ولا يزال على نحو ذلك حتى ينثلج خاطرهما، ويبرد قلبهما عليه، فينعطفا عليه بالرضا والدعاء، ومن ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعو لهما: (وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَيَّانِي صَغِيرًا).

 

ان رابطة الوالدين بالابناء من أعظم الروابط بين الناس وهى رابطة خصّها الله و الشرع الحنيف بمزيد من الاهتمام والذكر، بل وجعلها من فرائض الدين الكبرى، فأمر بوصلها، والإحسان إليها، والقيام بحقها، ورتب عليه أعظم الأجر.

 

وفي المقابل حذر من المساس بهذه الرابطة الوثيقة والإخلال بها أو الاعتداء عليها، حتى ولو بأدنى لفظ أو نظر؛ فقد عظّم الله شأن الوالدين وعظّم حقهما

 

يا من عققت والديك هل تعلم كم عانت الام من ألم وشدة لأجل جنينها منذ استقراره نطفةً في رحمها! وكلما زاد نموه زاد ثقله حتى إذا أزفت ساعة وحان وقت خروجه إلى الدنيا حلت الطامة ونزلت الشدة التي لا تطاق، وشارفت على الموت وتسابق الجنين وروحها الخروج، فسبحان من أسكن الرحمة قلبها وأخرج الجنين من أحشائها، (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا)

 

ولما خرج إلى الدنيا وأبصرت به إلى جنبها نسيت آلامها، وأحست أنها ملكت الدنيا بأسرها، ثم انصرفت إلى خدمته ليلها ونهارها، فتبًّا لأهل القلوب القاسية، تبًّا للقاسية قلوبهم كيف لهم ان يسمعوا امهم ما تكره ؛ كيف لهم ان ينكروا معروفها وينسوا جميلها ويقدم أحدًا من الخلق عليها؟! كيف تجرأ بعضهم على أن يشتكي من أمه وأن يسمح لنفسة ان يحزن قلبها وهى التى رضاها من رضا الله سبحانه وتعالى .

 

فهذا رجل قتل مسلمًا ثم ذهب يبحث عن عملٍ يكفِّر ذنبه العظيم، فذهب إلى ابن عباس –رضي الله عنهما- وقص عليه الخبر، فقال له ابن عباس: "أمك حية؟ قال: لا، قال: تب إلى الله –عز وجل- وتقرب إليه ما استطعت. فسُئل ابن عباس: لِمَ سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله –عز وجل- من بر الوالدة".

 

هل تكفينا هذه لمعرفة حق الأم؟!

 

وقد رأى ابن عمر –رضي الله عنهما- رجلًا قد حمل أمه على رقبته، وهو يطوف بها حول الكعبة، فقال: يا ابن عمر، أتراني جازيتها؟ فقال ابن عمر: "ولا بطلقة من طلقاتها، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرًا".

 

فيا من أبكى أبويه وأحزنهما، وأسهر ليلهما، وحملهما من الاعباء والهموم والغموم ما لا يطيقون وجرعهما غصص ضيق ذات اليد فهم لم يمنعوا عنك شئ هم مالكوه ،فاخفض لهما الجناح ، فعن قريب يشدون الرحال، فيصبح العين أثرًا والوالدان خبرًا، عندها تندم على تفريطك في برهما ، ولن تجد قلبا يؤاسيك ويحنوا عليك لا تكن سببا فى آهات غائرة وآلامًا مدفونةً،

 

مكتبة ايه الصفحة الرئيسية

فهرس كتاب حسن الخلق

تعليقات