مقدمة كتاب الصلاة
الصلاة :
الله أكبر، حي
على الصلاة، حي على الفلاح،
نداء يصدح في الأرجاء،
وأذان يخترق الآذان، ليوقظ أجساداً مشرقة بالإيمان، وقلوباً مخبتة، فإذا بالوفود تتقاطر،
والجموع تصطف ولا تتناثر، ولها هدير كالبحر في تلاطمه، وعرش النحل في تلاحمه، وترى
المسجد وقد غص بالناس فاتصلوا وتلاحموا، تجد الصف منهم على استوائه، كما تجد السطر
في الكتاب ممدوداً محتبكاً منتظماً، وتراهم تتابعوا صفا وراء صف، ونسقا على نسق، فالمسجد
بهم كالسنبلة ملئت حباً،
الصلاة صلة
بين العبد وربه :
ان الصلاة هي الفريضة
الأولى بعد الإيمان بالله ورسوله، فمَنْ أقامَها فقد أقبَل على مولاه، وحظي بالسعادة
والقُرْب، ومَنْ تركَها فقد أعرَض عن ربه، ونال التعاسةَ والبعدَ، فهي صلة بين العبد
وبين ربه، فإذا تعطَّلت فقد انقطعت الصلةُ بينهما، أتدري يا عبد الله ما معنى انقطاع
صلة العبد بالله؟
إنه يعني دمارَ
العبد، وفسادَ أمره، وضياعه وخسارته وخِذْلانَه، وفقده كلَّ شيء، وتعرضه للمهالك والمتالف
والمثالب، وماذا يبقى للعبد إذا بَعُدَ عن الله، وانقطعت صلته بربه، وحُجِبَ دعاؤه،
وتخلَّى عنه مولاه، وحيل بينَه وبينَ رحمة الله .
الصلاة نور
للوجه وتوفيق من الله :
ان الصلاة ما
أعظمَ شأنَها، وما أجلَّ شرفَها، مُجلِبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، طاردة للأدواء،
مقوِّية للقلب، مبيِّضة للوجه، مُفرِحة للنفس، مُذهِبة للكسل، مُنَشِّطة للجوارح، مُمِدَّة
للقوى، شارحة للصدر، مغذِّية للروح، منوِّرة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة
للبركة، مبعِدة من الشيطان، مُقَرِّبة من الرحمن، كم جاءت النصوص الشرعية في بيان مكانتها
وقدرها، وما خُصَّت به عن سائر الأعمال، وكم ألَّف العلماءُ في شأنها وما لها من أسرار،
وبيَّنوا مسائِلَها وما اشتملت عليه من أقوال وأفعال، وكم ذكَّر الناصحون والوُعَّاظ
بأهميتها، ووجوب حفظها على كل حال، كيف لا؟!
وهي أساس الدين
بعد توحيد رب العالمين، وركنه الركين، وعمدته وعموده المتين؛ إنها الصلاة، وما أدراك
ما الصلاة؟ ثم ما أدراك ما الصلاة؟
ان الكلام عن
الصلاة لا يمل من سماعه الأبرار، ولا تشبع منه قلوب الأخيار، الصلاة من أعظم الفرائض
أثراً، وأفظعها عند الترك خطراً، وأجلها بيانا وخيراً، فيها أكرم قول يردده لسان، مع
أكرم حركة يؤديها الإنسان، هي عمود الدين، ومفتاح جنة رب العالمين،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من امرئ مسلم
تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب
ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله"
ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكروالبغى :
ان الصلاة إذا زينها
الخشوع، وترسخ في أقوالها وأفعالها الذل والانكسار، والتعظيم والمحبة والوقار، نهت
صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فيستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته
في الخير، وتنعدم في الشر.
الحرص على الخشوع فى الصلاة :
وما أصاب بعض المسلمين
من ضعف في أخلاقهم، وانحراف في سلوكهم إلا لأن الصلاة غدت جثة من غير روح، وحركات ليس
لها من الخير مسوح.
أخرج الطبراني
وغيره: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع،
حتى لا ترى فيها خاشعا"
وقال الصحابي الجليل
حذيفة -رضي الله عنه-: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم
الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعا".
الصلاة راحة للعبد المؤمن :
اخى اجعل الصلاة قرة عينك، ونعيم روحك، وجنة قلبك
، ومستراحك في الدنيا، فلا تزال كأنك في سجن وضيق، حتى تدخل فى الصلاة فتستريح بها
لا منها، وتخلع على أعتاب المسجد الدنيا ومباهجها، وتترك هناك أموالها وشواغلها، فتطوي
صحيفة ذكر الدنيا من قلبك ، وتدخل المسجد بقلب
أخذته أريحته لإجلال الله، وعقل تهيأ لتدبر كلام إلله 0
ومن الناس من يصلون
بأجسامهم وأعضائهم، يحركون ألسنتهم وشفاههم بالكلم، يحنون ظهورهم راكعين، ويهوون إلى
الأرض ساجدين، لكن قلوبهم لم تتحرك نحو بارئها الأعلى، يظهرون له الخضوع، وقلوبهم نافرة،
يقرؤون القرآن لكنهم لا يتدبرونه، يسبحون لكنهم لا يفقهون، زيّنوا ظواهرهم وغفلوا عن
بواطنهم، وقفوا أمام الله وفي بيته وهم في الحقيقة واقفون أمام مشاغلهم، مقيمون بأرواحهم
في مساكنهم، فترى الرجل قد شاب عارضاه في الإسلام، وصلّى زمانًا طويلاً لكنه لم يكمل
صلاته يومًا؛ لأنه لا يتم ركوعها وسجودها وخشوعها.
قال حسن بن عطية
-رحمه الله تعالى-: "إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في
الفضل كما بين السماء والأرض".
هذا قلب أتم صاحبه
القعود والقيام، وذاك يسرق من صلاته حتى فقد التمام، وهذا قلب اجتمع همه على الله،
وفرغ قلبه للمناجاة، فما يشعر بالساعات، وذاك قلب يستكثر في صلاته الدقائق واللحظات؛
لأنها عنده أثقل من الجبال، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ
وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ
النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)
إذ ليس حظ القلب
العامر بمحبة الله، وخشيته وتعظيمه من الصلاة، كحظ القلب الخالي من ذلك، وليس حظ القلب
المخبت الخاشع كحظ القلب الذي لملذات الدنيا وشهواتها خاضع، ليس حظ القلب الذي يرتع
في رياض القرآن كحظ القلب الذي تملكه الشيطان.
عقوبة تارك الصلاة معيشة ضنكا :
أما الذي لا يصلي
فهو في شتات وتخبُّط وضياع، فلا فوز ولا فلاح ولا نجاة ولا ربح، ولا توفيق ولا تيسير
لمن لا يصلي، بل الخزي والدمار والخسار والبوار والعار والشنار، مَنْ ضيَّع الصلاةَ
التي هي عمود الدين، عاد أثرُ ذلك على سلوكه وأخلاقه وسيرته، وأين يذهب عند الشدائد،
ووقت المضائق، وأيُّ ملجأ له وقتَئذ وأي نصير؟ أي راحة وأي طمأنينة؟ وأي سعادة يجدها
عبدٌ بعيدٌ عن ربه لا يصلِّي لله ولا يسجد؟ قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)
المراجع
خطبة عن الصلاة للشيخ : عبدالباري بن عواض
الثبيتي
والشيخ : فيصل بن جميل غزاوي

تعليقات
إرسال تعليق