الصحابة رضوان الله عليهم وقيام الليل
أيا من ليس لي
منه مجيرُ
بعفوك من عذابك
أستجيرُ
أنا العبد المقر
بكل ذنبٍ
وأنت السيد الصمد
الغفورُ
فإن عذبتني فبسوء
فعلي
وإن تغفر فأنت
به جديرُ
أفِرُّ إليك منك
وأين إلاّ
يفرّ إليك منك
المستجيرُ
ونعود الى الصحابة والتابعين واحوالهم مع الصلاة وقيام الليل والبكاء خوفا وحبا لله فَلَعَلَّ قُلُوبَنَا مَعَ أَخْبَارِهِمْ تَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَلَعَلَّ هِمَمَنَا بَعْدَ سَمَاعِ أحَوْالَهِمِ تَتَحَرَّكُ مِنْ سُبَاتِهَا فمواقف الرِّجَالِ مَدَارِسُ للأَجْيَالِ، وَرُبَّمَا كَانَتِ الْقِصَّةُ أَبَلَغَ مِنَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ.
ففى مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ
قال الله تعالى :
(فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
قصة تميم الدارى مع قيام الليل :
لقد كان تميم الداري يصلي ليلة كاملة بآية واحدة، يرددها ويبكي، وهي آية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)
كان سفيان الثوري
كثير البكاء، وقد قال صلى الله عليه وسلمَ: "عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت
من خشية الله".
عباد ليلٍ إذا
جن الظلام بهم
كم عابدٍ دمعه
في الخد أجراه
وأسد غابٍ إذا
نادى الجهاد بهم
هبوا إلى الموت
يستجدون رؤياهُ
وقد كان صلى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلاةِ"،
وَمِنْ حُبِّهِ وَتَعَلُّقِهِ بِهَا كَانَ يَقُولُ لِبِلاَلٍ: "أَرِحْنَا بِالصَّلاةِ
يَا بِلاَلُ"، سَمِعَهُ النَّاسُ مِرَارًا وَهُوَ يَقُولُ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ
عَيْنِي فِي الصَّلاةِ".
كان مسروق بْنُ
الأَجْدَعِ: الثِّقَةُ الْفَقِيهُ الْعَابِدُ -رَحِمَهُ اللهُ- كَانَ يُصَلِّي حَتَّى
تَتَوَرَّمُ قَدَمَاهُ حَتَّى إِنَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ تَبْكِي مِمَّا تَرَى مِنْ
تَعَبِهِ وَمُعَانَاتِهِ!
قصة منصور بن المعتمر مع قيام الليل :
وأَمَّا مَنْصُورُ
بْنُ الْمُعْتَمِرِ فَيَقُولُ بَعْضُ جِيرَانِهِ: كَانَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ يَرَى مَنْصُورَ
بْنَ الْمُعْتَمِرِ يُصَلِّي عَلَى سَطْحِهِ يَظُنُّهُ خَشْبَةً أَوْ عَامُوداً مِنْ
طُولِ قِيَامِهِ، فَلَمَّا مَاتَ فُقِدَ، فَقَالَ هَذَا الصَّبِيُّ لِأَبِيهِ: أَيْنَ
الْخَشَبَةُ التِي كَانَتْ فِي سَطْحِ جَارِنَا مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِر؟ قَالَ:
"يَا بَنِيَّ ذَاكَ مَنْصُورٌ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ".
حال فضيل بن عياض مع قيام الليل :
وَقَالَ الفُضَيْلُ
بْنُ عِيَاضٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "إِنِّي لَأَسْتَقْبِلُ اللَّيْلَ مِنْ
أَوَّلِهِ فَيَهُولُنِي طُولُهُ فَأَفْتَتِحُ القُرْآنَ فَأُصْبِحُ وَمَا قَضَيْتُ
نَهَمَتِي".
مما كان بكاء عمر بن المنكدر :
وَشَكَتْ أُمُّ
عُمَرَ بنِ المُنْكَدِرِ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ مَا يَلْقَاهُ مِنْ
كَثْرَةِ بُكَائِهِ بِالَّليلِ، فَاسْتَعَانَ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ بِأَبِي حَازِمٍ، فَدَخَلُوا
عَلَيهِ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "يَا عُمَرُ، مَا هَذَا البُكاءُ الذِي شَكَتْهُ
أُمُّكَ! قَالَ: إِنَّهُ إِذَا جَنَّ عَلَيَّ الليلُ هَالَنِي فَأَسْتَفْتِحُ القُرْآنَ،
فَمَا تَنْقَضِي عَنِي عَجِيبَةٌ، حَتَى تَرِدَ عَلَيَّ عَجِيبَةٌ، حَتَى إِنَّ الليلَ
يَنْقَضِي وَمَا قَضَيتُ نَهْمَتِي. قَالَ: فَمَا الذِي أَبْكَاكَ؟ قَالَ: آيَةٌ فِي
كِتَابِ الله -عَزَّ وَجَلَّ- هِيَ التِي أَبْكَتْنِي (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)
حال شعبة بن الحجاج مع الصلاة :
وَهَذَا شُعْبَةُ
بْنُ الْحَجَّاجِ جَبَلُ الْحِفْظِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، مَا
رَكَعَ قَطُّ حَتَّى ظَنَّ النَّاظِرُ إِلَيْهِ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ طُولِ الرُّكُوعِ،
وَلا قَعَدَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إِلَّا ظَنَّ النَّاظِرُ إِلَيْهِ أَنَّهُ نَسِيَ!
وَيَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَأَى قِيَامَهُ كَانَ يَقُومُ يُصَلِّي حَتَّى تَتَوَرَّمُ
أَقْدَامُهُ.
حال على ابن طالب مع الصلاة :
وها هو على ابن
ابى طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: فَقَدْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ هَجْعَةِ
اللَّيْلِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَوْمٌ بِالنَّهَارِ
وَسَهَرٌ بِاللَّيْلِ وَتَعَبٌ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ!! فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ -رَضِيَ
اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- مِنْ صَلاتِهِ قَالَ: "سَفَرُ الآخِرَةِ طَوِيلٌ فَيُحْتَاجُ
إِلَى قَطْعِهِ بِسَيْرِ اللَّيْلِ".
حال شداد بن اوس مع قيام الليل :
وكان شداد بن أوس
إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلى، ثم يقول: "اللهم إن جهنم لا تدعني أنام،
فيقوم إلى مصلاه".
وكان طاوس يثب
عن فراشه، ثم يتطهر ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: "طيَّر ذكرُ جهنم نومَ
العابدين".
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
هَذَا حَالُ سَلَفِنَا الصَّالِحُ فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْهُمْ؟
وقد قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ
فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَمَنْهَاةٌ
عَنِ الإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ"
لذة الطاعات :
لِلطَّاعَاتِ لَذَّةٌ لاَ يُدْرِكُهَا كُلُّ الطَّائِعِينَ، وَلاَ يَصِلُ إِلَيْهَا كُلُّ السَّائِرِينَ، فَهِيَ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِالإِخْلاَصِ وَالمُجَاهَدَةِ، وَلاَ يَبْلُغُهَا إِلاَّ أَصْحَابُ المَقَامَاتِ العَالِيَةِ.
لا تكلوا مِنَ الدُّعَاءِ، وَلاَ تَمَلُّوا مِنَ القُرْآنِ، وَلاَ تَفْتُرُوا عَنِ العِبَادَةِ، وَلاَ تَيْئَسُوا مِنَ الرَّحْمَةِ، وَكُونُوا حَيْثُ يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى فِي مصلاكم وخَلْفَ مَصَاحِفِكُمْ، قَائِمِينَ رَاكِعِينَ سَاجِدِينَ قَارِئِينَ دَاعِينَ مُسْتَغْفِرِينَ، كونوا علىى ذلك الحال حتى يَظْفَرُ المَقْبُولُ بِعَظِيمِ الثَّوَابِ، وَيَسْعَدُ المَرْحُومُ بِجَزِيلِ العَطَاءِ، فَأَرُوا اللهَ -تَعَالَى- مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا؛
(أَمَّنْ هُوَ
قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ
رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)

تعليقات
إرسال تعليق