قيام الليل
فَلِلَّهِ دَرُّ
العارِفِ النَدبِ إِنَّهُ
تَفيضُ لِفَرطِ
الوَجدِ أَجفانُهُ دَما
يُقيمُ إِذا ما
اللَيلُ مَدَّ ظَلامَهُ
عَلى نَفسِهِ مَن
شِدَّةِ الخَوفِ مَأتَما
فَصيحاً إِذا ما
كانَ في ذِكرِ رَبِّهِ
وَفي ما سِواهُ
في الوَرى كانَ أَعجَما
وَيَذكُرُ أَيّاماً
مَضَت مِن شَبابِهِ
وَما كانَ فيها
بِالجَهالَةِ أَجرَما
فَصارَ قَرينَ
الهَمِّ طولَ نَهارِهِ
أَخا الشُهدِ وَالنَجوى
إِذا اللَيلُ أَظلَما
يَقولُ حَبيبي
أَنتَ سُؤلي وَبُغيَتي
كَفى بِكَ لِلراجينَ
سُؤلاً وَمَغنَما
أَلَستَ الَّذي
غَذَّيتَني وَهَدَيتَني
وَلا زِلتَ مَنّاناً
عَلَيَّ وَمُنعِما
عَسى مَن لَهُ
الإِحسانُ يَغفِرُ زَلَّتي
وَيَستُرُ أَوزاري
وَما قَد تَقَدَّما
قيام الليل سنة
مستحبة ، وهو من اهم خصائص المتقين .،
قال الله تعالى
《إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
* آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ *
كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
* وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ 》
قيام الليل نور المؤمن :
وقيام الليل هو
شرف المؤمن وهو المدرسة المهياة للامور العظيمة ، وهو داب الصالحين ، وطريق الفائزين وطوق نجاة المكروبين ، وسر نور
وجوه الصالحين ، وهو لذة المخبتين ، وعاصمة المحبين من الفتن ،
بقيام الليل تعكف
الروح على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وترغب
وتتضرع إلى عظيم العطايا والهبات .،
وفى قيام الليل
شرف المؤمن :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فقال:
يا محمد: عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به،
واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس".
وهكذا حال المؤمن
التقى كما قال الله تعالى
(تَرَاهُمْ رُكَّعًا
سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ
مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)
وعن ابى مالك الاشعرى
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال 《 إن فى الجنة غرفا
يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، اعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام ،و ألان'
الكلام ، وادام الصيام ، وصلى بالليل والناس نيام 》
وقيام الليل أقله
ركعة ، واكثره إحدى عشرة ، لما مر من قول عائشة 《 ما كان رسول الله
صلى الله علية وسلم يزيد فى رمضان ، ولا غيرة على احدى عشرة ركعة 》
قضاء قيام الليل
:
وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم اذا فاتتة الصلاة من الليل من وجع او غيره ، صلى من النهار ثنتى
عشر ركعة ."
قيام الليل عاصمة من الفتن :
ان صلاةُ الليل
عاصِمةٌ -بإذن الله- من الفِتَن، قالت أمُّ سلمة -رضي الله عنها-: استيقظَ رسولُ الله
-صلى الله عليه وسلم- ليلةً فزِعًا يقول: "سُبحان الله! ماذا أنزلَ الله من الخزائِن؟!
وماذا أُنزِلَ من الفتن؟! من يُوقِظُ صواحِبَ الحُجُرات؟!". يُريدُ أزواجَه لكي
يُصلِّين، "رُبَّ كاسِيةٍ في الدُّنيا عارِيَةٍ في الآخرة".
ان للطاعة لذة :
أَيُّهَا النَّاسُ:
لِلطَّاعَاتِ لَذَّةٌ لاَ يُدْرِكُهَا كُلُّ الطَّائِعِينَ، وَلاَ يَصِلُ إِلَيْهَا
كُلُّ السَّائِرِينَ، فَهِيَ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِالإِخْلاَصِ وَالمُجَاهَدَةِ، وَلاَ
يَبْلُغُهَا إِلاَّ أَصْحَابُ المَقَامَاتِ العَالِيَةِ.
وَالصَّلاَةُ مِنْ
أَعْظَمِ أَبْوَابِ اللَّذَّاتِ عِنْدَ المُخْبِتِينَ، كَمَا أَنَّهَا أَثْقَلُ شَيْءٍ
عَلَى المُنَافِقِينَ، وَقَدْ قَالَ أَكْمَلُ النَّاسِ لَذَّةً بِالطَّاعَةِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ"؛
أَيْ: جُعِلَ سُرُورُ نَفْسِي فِي الصَّلاَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلسُّرُورِ الباَلِغِ
دَمْعَةً بَارِدَةً قَارَّةً، وَلِلْحُزْنِ دَمْعَةً حَارَّةً، فَلْنَتَأَمَّلْ فَرَحَ
النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ- بِالصَّلاَةِ إِلَى حَدِّ البُكَاءِ
مِنَ الفَرَحِ بِهَا، فَكَانَتْ قُرَّةَ عَيْنِهِ.
وَمِنْ دَلاَئِلِ
اللَّذَّةِ بِالصَّلاَةِ: طُولُ القِيَامِ فِيهَا، يُنَاجِي المُصَلِّي رَبَّهُ بِالقُرْآنِ
فَلاَ يَشْعُرُ بِنَفْسِهِ، كَمَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-:
"أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُومُ مِنَ
اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ" (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ).
وَالمُتَلَذِّذُونَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ يَفْهَمُونَ
مَعْنَى الحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- مِنْ لَذَّتِهِ بِالمُنَاجَاةِ
يَنْسَى نَفْسَهُ فَيُؤَخِّرُ الرُّكُوعَ، فَلاَ يَشْعُرُ بِقَدَمَيْهِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ.
بكاء من يقوم الليل فرحا :
وَمِنْ دَلاَئِلِهَا:
كَثْرَةُ البُكَاءِ فَرَحًا بِاللهِ -تَعَالَى- وَبِمُنَاجَاتِهِ –سُبْحَانَهُ-، وَرَجَاءً
لَهُ وَخَوْفًا مِنْهُ، حَتَّى يَبْتَلَّ مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ؛
كَمَا حَدَّثَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ:
"يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلةَ لِرَبِّي"، قُلْتُ: وَاللَّهِ
إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ
قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ
بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ
يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ" (رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ).
وَالبُكَاءُ فِي
صَلاَةِ اللَّيْلِ لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ أَهْلُ اللَّيْلِ، وَهُمْ مَنْ يُدْرِكُ لَذَّتَهُ،
وَيَعْلَمُ مَنْفَعَتَهُ لِلْقُلُوبِ، حَتَّى إِنَّ وَاحِدَهُمْ مِنْ شِدَّةِ اللَّذَّةِ
بِمُنَاجَاتِهِ وَبُكَائِهِ لاَ يُرِيدُ الفَجْرَ أَنْ يَطْلُعَ، فَلاَ عَجَبَ أَنْ
يَبْتَلَّ مَكَانُهُ بِدُمُوعِهِ.
وَكَانَ الإِمَامُ
الأَوْزَاعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يَبُلُّ مَوْضِعَ سُجُودِهِ بِدَمْعِهِ كُلَّ
لَيْلَةٍ، فَدَخَلَتِ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجَتِهِ، قَالَتْ: "فَرَأَيْتُ الحَصِيرَ
الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ مَبْلُولاً، فَقُلْتُ: "يَا أُخْتِي، أَخَافُ أَنْ
يَكُونَ الصَّبِيُّ بَالَ عَلَى الحَصِيرِ! فَبَكَتْ وَقَالَتْ: ذَلِكُ دُمُوعُ الشَّيْخِ،
هَكَذَا يُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ".

تعليقات
إرسال تعليق